أحمد بن أعثم الكوفي

291

الفتوح

هل للفتى من نياب الدهر من واقي * أم هل لحتم إذا ما حم من راقي إلى آخرها . قال : فسمع المختار هذه الأبيات من السائب بن مالك الأشعري فقال : لله در عبد الله بن حداق ( 1 ) ما أجود معناه في هذا القول ، أما والله لولا ما نحن فيه لأحببت أن أحفظ هذه الأبيات ، وو الله يا سائب ! إن لو كان معي عشرة لعلمت أننا نقهر مصعبا ( 2 ) وأصحابه . قال : ثم أقبل المختار على أصحابه فقال : ويحكم اخرجوا بنا حتى نقاتل هؤلاء القوم فنقتل كراما ، فوالله ما أنا بآئس إن أنتم صدقتموهم القتال أن تنصروا عليهم . قال : فأجابه أصحابه إلى ذلك ، وقالوا : ما الرأي إلا ما رأيت ! وليس يجب أن نعطي بأيدينا ولا نحكم هؤلاء على دمائنا ، فاعزم على ما أنت عازم عليه من أمرك فها نحن بين يديك . قال : فعندها بعث المختار إلى امرأته أم ثابت الفزارية بنت سمرة بن جندب ، فأرسلت إليه بطيب كثير وحنوط ، فقام واغتسل وأفرغ عليه ثيابه وتحنط ووضع ذلك الطيب في ( 3 ) رأسه ولحيته ، ووثب أصحابه يفعلون كذلك ، فقال له رجل منهم ( 4 ) : أبا إسحاق ! أما بد من الموت ؟ قال : قد رأيت والله عبد الله بن الزبير على الحجاز ، وبني أمية على الشام ، ومصعبا على العراق ، ولم أكن بدون واحد منهم . وإنما خرجت أطلب بدماء أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، وقد والله أشفيت نفسي من أعدائهم وممن شارك في دمائهم ، ولست أبالي بعد هذا كيف أتاني الموت قال : ثم استوى على فرسه وجعل يرتجز ويقول شعرا ( 5 ) . ثم أمر بباب القصر ففتح ، وخرج معه نفر ( 6 ) من أصحابه فلم يزل يقاتل ويقاتلون معه حتى قتلوا بأجمعهم وبقي المختار وحده ، فجعل يقاتل والسهام تأخذه ، فصاح مصعب بن الزبير بأصحابه أن احدقوا به فقد قتلت أنصاره . قال : فأحاطت به الخيل من كل جانب ، فجعل يكر عليهم ويكرون عليه حتى بلغوا به إلى الموضع الذي فيه حوانيت الزياتين اليوم ، فأحاطوا به هنالك وألجأوه إلى

--> ( 1 ) كذا ، وقد مر قريبا عبيد الله بن حذاق ! ؟ ولم نجده . ( 2 ) الأصل : مصعب . ( 3 ) الطبري 6 / 107 على . ( 4 ) هو السائب بن مالك الأشعري . ( 5 ) في الطبري 6 / 107 أورد هنا الأبيات التي تمثل بها المختار لغيلان بن سلمة بن معتب ، التي مرت قريبا . ( 6 ) خرج في تسعة عشر رجلا ( الطبري 6 / 107 ) .